تلويحة أخيرة، من مدرّج الطائرة..
الساعة ١١:٠٠ صباحًا،
وعيناي تتجوّل بين ركّاب الطائرة
والكابتن يوجّه الركّاب بربط الأحزمة استعدادًا للإقلاع، ولكنّ مشاعري سبقتني غبطةً ولهفة
تذكرتُ عاصفةً (وكما يصفها قلبي وقتها) جرَت على روحي حين أمضيتُ شهرًا كاملًا بالكثير من الترتيبات التي شعرتُ أنها عصيّة على قلبي بأن تمضي، جردتُ خزانتي كعادتي الدورية وتخلّصت من الفائض منها والذي مضى زمنًا طويلًا دون أن أرتديها، وكأني نفضت من داخلي شعورًا ثقيلًا غادر أخيرًا، أعدتُ ترتيب غرفتي بالكامل، ودّعت نبتتي المفضلة لسنوات على أمل أن أجد أخرى لاحقًا لتبدأ فصلًا جديدًا معي.
أقلعت الطائرة أخيرًا، تراكمت مشاعري للحظة وتنهّدتُ أخيرًا،
كانت اللحظة التي شعرتُ فيها وكأن قلبي يطيرُ من خفّته، وروحي تتلهّف حين ردّدتُ داخلي "لبّيك اللهم عمرة".
ثم طلبت قهوتي المعتادة وعيناي لم تغادر النافذة أبدًا.
ألقيتُ نظرة أخيرة على هاتفي قبل إقفاله،
لا إشعارات، لا مكالمات فائته، ولا رسائل يمكن أن تعيدني إلى ارتباكي المعتاد من عدم الردّ.
ابتسمت من قلبي، وتركت هاتفي وأدرت وجهي للنافذة علّي أحظى بأربعين دقيقة تأمل لا يوقفها سوى تنبيه الكابتن بالوصول إلى جدّة!
لم تكن المرّة الأولى التي أتأمل الغيوم، أو منظر السّماء البديع، أو حتى كيف تتحرّك بشكل عجيب لا يمكن لقلبي ولا روحي إدراك عظمة الخالق سبحانه.
لكنها المرّة الأولى التي شعرت بأن قلبي يلوّح لكل التفاصيل قبل عينيّ، وكأني ألمس الغيم وأتحسس بروحي جمال ما تبصر عينيّ.
أمسكتُ بهاتفي، فتحت الملاحظات دون تفكير:
تلويحة أخيرة من الطائرة،
محملةً بالمشاعر، وسنعاود الدّهشة مرة أخرى.
مضى الوقت سريعًا، حتى قطع أفكاري صوت الكابتين يوجه بربط الأحزمة استعدادًا للهبوط،
ابتسمت عميقًا استعدادًا لوجهتي التي أخذني الشوق إليها!
الساعة ٤:٠٠ عصرًا،
يكادُ يتفتّت قلبي من تزاحم مشاعري،
بين جموع المعتمرين، وأصوات الدعوات، حتى انهالت في خاطري جميع الدعوات والأمنيات،
تقاطعت يداي بين الأشواط تتلمّس الكعبة، ودعواتي لا تنفكّ عن قلبي، وكأن الأرض لا تسعني من فرط سروري!
جلست أمام الكعبة،
تنهيدة عميقة وسرور كبير،
ثم أمسكت هاتفي وفتحت الملاحظات:
في لحظة اللقاء الأول، في مكانٍ لطالما حمل أمنيات متتالية عامًا بعد عام،
تداخلت في مسامعي الدعوات والأصوات والرجاء الذي لا ينتهي،
وقلبي يردّد: ياربّ خير ما عندك، فأنت تعلم وقلبي يرجو.
تجوّلت بين ممرّات التوسعة، دون وجهة محددة،
لا تزال الدّهشة رفيقة الرحلة، ولا تزال عينيّ لا تنفك، وقلبي معلّق بين دعواتي.
الساعة ٤:٠٠ فجرًا،
أسابق الناس في ساحة الحرم، وكانت المنبهات رفيقة خطة كل يوم، تأمل شروق الشمس بعد صلاة الفجر في "سطح الحرم".
أنهينا الصلاة، أخذت مكاني المعتاد أمام القبّة، وقهوتي وماء زمزم، متأملة تسابق الطيور أثناء شروق الشمس.
كانت التلويحة الأخيرة للطائرة قبل هبوطها،
لكن قلبي يلوّح لعيّني كل جميلٍ تراه،
الكعبة، صوت الآذان، ممرّات الحرم الباردة، الطيور حول المآذن،
شروق الشمس الذي يكاد يخطف قلبي في كلّ مرّة،
وحتى الدعوات حين نتأمل في كل مرّة كيف تتبدّل وتتغيّر،
سرّت النفس، وطابت المشاعر..